صوت المغترب

“معتصم عبد اللطيف” قصة تفوق مكتوبة بحروف العزيمة والإصرار

“معتصم عبد اللطيف”، السوري ابن مدينة سري كانيه/ رأس العين، طالب مجتهد قدم مع عائلته إلى تركيا عام 2012، مع اندلاع الأوضاع في مدينة حلب التي كان يدرس فيها، فعمل بتركيا بغسل السيارات ثم جلي الصحون، وكان يسكن مع عائلته ببيت مؤلف من غرفة ومطبخ.

عمل “معتصم” بمعدل 12 ساعة مقابل 15 ليرة تركية يومياً. درس اللغة التركية باجتهاد شخصي، تم قبوله بجامعة سكاريا بعد أن أغلقت عدة جامعات أبوابها في وجهه، لينال فيها المرتبة الأولى بكلية الهندسة المعلوماتية على مستوى الجامعة متفوقاً على أقرانه من الأتراك بمعدل 98.65%.

معتصم عبد اللطيف من مواليد 1992 مدينة سري كانيه/ رأس العين التابعة لمحافظة الحسكة، ولد وترعرع ضمن عائلة تولي التعليم مكانة خاصة، فوالده موجه تربوي الأستاذ “محمد عطا عبداللطيف” ووالدته مدرسة للغة الإنكليزية السيدة “مطيعة عفاص”.

معتصم يتحدث لشبكة آسو الإخبارية تفاصيل رحلة نجاحه وتفوقه، وكيف بدأ مشواره في التعليم، حيث قال: “بدأ حبي لعلوم الحاسوب عندما كان عمري 15 سنة، عندما كنت في زيارة لأحد أقاربي كان يدرس في قسم الرياضيات بجامعة حلب، حيث كان يكتب وقتها (أوامر برمجية)، والتي بدت لي كخربشات في البداية، لكن كان يستطيع بواسطتها تحريك شخصية في لعبة بناها من الصفر، فكان بداية شغفي للبرمجة منذ ذاك اليوم ومنذ تلك اللحظة، وحينها تعلمت أمرين فقط وبنيت لعبة بسيطة جدا دون أي كتاب أو أية وسيلة مساعدة من الانترنت للبحث عن مراجع، إذ كان تشجيعي شخصي أكثر مما هو من أفراد آخرين يقومون بدعمي.

علمت من وقتها أنه هذا هو الشيء الذي يجب أن أسخر حياتي من أجله، وإني سأكون مستمتع بفعله، فأصبح حلمي ولا زال أن أصل إلى مرحلة تمكنني من التفوق على جميع نظرائي في هذا المجال وتعلم كل جزئية منه (علما أنه شيء مستحيل ولا ينصح به، لكن من شدة حبي للفرع قررت أن أتجاوز كلمة المستحيل)، وهذا هو مفتاح النجاح برأيي، “أن تحب ما تفعل”.

نقطة التحول الجذري في حياته يتحدث عنها معتصم لشبكة آسو الإخبارية قائلا: “عندما أنهيت الثانوية، تم قبولي في كلية الهندسة المعلوماتية في جامعة حلب، حيث درست سنتين قبل تركي لحلب في الـ 2012 عند بداية الأحداث فيها، ليتلوها مغادرتي لمدينتي العزيزة سري كانيه/رأس العين، والانتقال لتركيا بعد أشهر قليلة من ذاك (في أواخر الـ 2012)، بصراحة كانت نقطة انتقال جذرية، علمت وقتها أنه لا عودة من هذا وأن الأمر سيطول، وأنه يجب أن أعمل وأطور نفسي إن كنت أريد أن أصل إلى حلمي، فكان الشيء الأول الذي يجب عمله هو تعلم اللغة التركية التي لم أكن أتحدثها سابقا”.

وفي سؤالنا عن الصعوبات والتحديات التي واجهها بتركيا، أجاب معتصم: “من أصعب العوائق التي واجهتني في تلك الفترة هي اضطراري للعمل لما يقارب الـ 12 ساعة يوميا وبراتب زهيد لا يكفي إلا لسد الاحتياجات اليومية، وبذلك لم يكن لدي لا المال ولا الوقت للالتحاق بإحدى الدورات الخاصة بتعليم اللغة، لكن عزيمتي وإصراري كانتا أقوى، فقررت أن أبدأ تعلم اللغة التركية بنفسي ولا يوجد شيء اسمه مستحيل، إن كان غيري قد فعلها، فلما لا استطيع فعلها، وإن كان غيري لم يفعلها فلما لا أكون أول من يفعلها، وفعلا بدأت أتعلم اللغة وأعمل بنفس الوقت، بحيث أن الانترنت هو الشيء الوحيد الذي كنت أستخدمه لتنزيل مصادر لدراسة اللغة، وذلك كان في مكان العمل عندما كنت أعمل كنجار، إلا أنني طردت من العمل بعد أسبوع واحد فقط، بتهمة استخدامي للحاسب أثناء العمل (أي اثناء تنزيلي للدروس).

لكن لم يوقفني ذلك وعلمت أنه مجرد اختبار، كنت دائما مقتنع أنه أي صعوبة أمر فيها هي إشارة على أنني في الطريق الصحيح وبدأت العمل في غسيل السيارات، ومن ثم في جلي الصحون، و أخيرا كنادل في مطعم بصعوبات ومشاكل مختلفة، لكن حلمي لم يتغير وطموحي كان نفسه، أن أكمل دراستي وأتفوق فيها على جميع أقراني.”

يتابع معتصم حديثه، لشبكة آسو الإخبارية، عن صعوبات وتحديات أخرى واجهته لكن من نوع آخر، حيث قال: “بعد سنة ونصف من العمل في ماردين قررت البدء بالتسجيل على الجامعات التركية، فبدأت التسجيل في أواسط سنة 2014، وتم رفضي مرارا وتكرارا ليتم قبولي في النهاية بجامعة سكاريا، اعتقدت أن كل شيء بدأ يتحسن وأن الصعوبات بدأت تخف، حتى علمت أني أساسا كنت مقبول من المفاضلة الاحتياطية وأني متأخر ستة أسابيع عن فصل يمتد لـ 14 أسبوع، وتقام الامتحانات النصفية فيه في الأسبوع التاسع، أي أنه لدي ثلاثة أسابيع لتلافي ما فاتني من دراسة، والأسوأ من هذا هو أنني كنت منقطع فترة عن الدراسة، وتعلمت اللغة التركية بنفسي، حيث كانت المصطلحات المستخدمة في الجامعة علمية بحتة لم أسمع بها من قبل، وأذكر أول يوم لي عندما دخلت لمحاضرة الرياضيات كنت أتلعثم (كانت لغتي التركية مبتدئة جدا)، فطردت من الدرس لعدم قدرتي على الإجابة، كما وأذكر كيف أشفق عليّ أصدقائي الأتراك لأني ما كنت أستطيع أن أتكلم، فكانوا في أول الدرس يعطوني محاضراتهم كمساعدة منهم لي، لكن تأخري وكل العوائق تلك لم تكن بالشيء المهم في نظري، أنا على علم بأنني أستطيع أن أكون الأول رغم كل الصعوبات وحتى لو كنت أجنبي.

فبدأت الدراسة باللغة الإنكليزية بنفسي، إضافة إلى مراجع خارجية وكتب جامعات مرموقة، ابدأ من صلاة الفجر حتى آخر الليل، أذهب فقط للمحاضرات والطعام، واستمر الحال على هذا المنوال لثلاثة أسابيع حتى أنهيت الامتحان”.

وفي ختام حديثه، قال معتصم: “أذكر حين تم الإعلان عن النتائج، جاء دكتور الرياضيات نفسه وقال للطلاب، يوجد لدينا شخص على الرغم من أنه أتى متأخرا 6 أسابيع إلا أنه استطاع أن يتفوق بعلامته في الرياضيات على جميع الطلاب في الكليات الثلاث التي أدرس بها، وهو صديقكم معتصم وأشار علي، فصار الجميع يصفق وأنا مصدوم من الموقف الحاصل وغير مستوعب، لكن مبتسم بالشيء الذي حققته، وقتها تماما تأكدت بأنني بدأت أحصد نتائج صبري على الصعويات فلا يوجد ما يمنعني من أن أكون الأول وأن أصل عتبة التخرج وأتخطاها بتفوق.

يذكر أن معتصم عاش حتى قبل عام 2012 في مدينته سري كانيه حيث هو من أبناء المدينة ويسكن أهله في الحي شرق المدينة.

*الصور بإذن من معصتم وقد سبق وأن تم نشرها

الوسوم