مدونة آسو

ابتدأت قصته بسؤال وجواب بالرقة… وانتهت بقصاص داعش

لا تخلُ شوارع مدينة الرقة، من قصص مبعثرة، تروي مآسي الناس خلال فترة حكم داعش، الذي استخدم شتى أنواع الانتهاك والعقوبات البعيدة عن الواقع والضمير والإنسانية، فكان أبرزها حكم (القصاص). ولأن القصاص كان يودي بحياة صاحبه غالبًا، نروي قصة محمود ذو ال 44 عامًا من منطقة الحزيمة بريف الرقة، الذي حاله كحال الكثيرين من المدنيين ممن طبق هذا الحكم بحقهم.

ليس من السهل أن تروي امرأة، فقدان زوجها، وهي تحتضن أطفالها، بين قسوة الحياة وتأمين العيش، ومتطلبات الواقع، واستمرار الأيام، والمشهد الذي لا يفارق الأسرة بغياب ربّها، تروي زوجة محمود الحراك لشبكة آسو الإخبارية، ما حدث لزوجها على أيدي داعش فتقول: “أنا من منطقة الحزيمة، لدي 4 أطفال، ابنتين وولدين، والولد الأكبر معاق، ليس لدي راتب ولا عمل ولا حتى رب أسرة يحميني ويأويني، حياتي متعلقة بلقمة عيش من إخوتي وعائلتي وأصحاب الخير”. وتضيف “طردتني داعش من منزلي وسيطر عليه بالكامل مع كافة الأغراض التي بداخله، فبقينا أنا وأولادي في الشارع لا نملك سوى ما نرتديه من ألبسة، كل هذا حصل في شهر حزيران من العام 2014، والتي كانت البداية لقصتي المؤلمة التي لازلت أعاني منها حتى اللحظة”.

وتتحدث زوجت محمود بتفاصيل حكايتها أنه، بتاريخ 6/6/2014، جاءت مجموعة مقنعة من عناصر #داعش الإرهابية إلى منزلهم عند بزوغ الفجر، وأجبرت محمود (الزوج) على الذهاب معهم، فاستفسرت عن السبب، فأجابوا، (سؤال وجواب… لا أكثر)، إلا أن الحقيقة باتت مختلفة تماما عما قالوه، “عند متابعتنا للموضوع تبين أن زوجي ومعه ما يقارب الـ 20 شخص من نفس المنطقة سجنوا بالنقطة 11 كما تسميها داعش، أي الملعب الأسود”.

وأضافت بالقول: “ذهبت إلى السجن متوسلة ومنحنية أمام قدمي قادة داعش، على أمل رؤية زوجي، إلا أنهم لم يدعوني أدخل مطلقا، فاستمريت في التوسل والشرح لهم عما يجول في بيتي من حال فقر بائس، ومرض الأولاد والإعاقة بدون تواجد زوجي، فقرر أحد القضاة أن أعود بعد عدة أيام لزيارته، بناء على ذلك القرار جئت أنا وأولادي وشقيق زوجي في زيارة رسمية، فدخلت أنا والأولاد فقط، فيما منع شقيق زوجي من الدخول، وحينما رأيت زوجي كانت آثار التعذيب والضرب تبدو عميقة جداً على وجهه وجسمه. وقال (أنا متهم بالتعامل مع خلايا نائمة وعلى أحدا أن يزكيني يدفع كفالة للخروج”.
أكملت الزوجة أنه بعد سماع قول الزوج، احتارت بأمرها، فأخبرت أخوته وهم بدورهم أرسلوا عدة أشخاص لكي يدفعوا له الكفالة، لكنهم لم يفلحوا بذلك لأن “داعش رفض هذا الأمر على الإطلاق”.
بعد 15 يوم زارت الزوجة الزوج مجددًا، فسألته عن تفاصيل قصته، لما داعش لا يفرج عنه، وأنه الوحيد الذي بقي في السجن بين الأخرين الذين أفرج عنهم، حيث بعد الزيارة الأولى بأسبوع أفرج داعش عن 20 سجين ثم أكمل الإفراج عن البقية باستثناء زوجها، فرد الزوج بأن تهمته أن هناك أحد الأشخاص قد قام بتسجيل صوته وهو يتحدث عن داعش وواقعه، وأن تهمته هي التعامل مع خلايا نائمة، وقد حكم القاضي عليه بالردة (القصاص)، “حينما سمعت هذا الكلام ارتعش بدني من الخوف والهلع، فبكيت بشدة وكنت أنوي الصراخ، فأسكتني زوجي وقال لي اخفضي صوتك وتوقفي عن البكاء، لا أريد أن يسمعك أحدا، على أمل بأن لا يطبق هذا الحكم الخبيث”. وتابعت بعد فترة وجيزة ذهب شقيق زوجي للسؤال عنه زوجي مجددا، فكان الجواب أنه نال (القصاص)، حيث قالوا له: لقد قمنا بتطبيق حكم القصاص عليه، فلا تسألوا عنه بتاتا.
أنهت الزوجة حديثها والدموع تملأ عيناها وهي تقول محمود رجل خلوق مسالم يملئ قلبه الحب والحنان، ولا يغيب عن مخيلتي مطلقا، وأنا الآن أعيش على أمل واحد وهو أنه لازال على قيد الحياة، هذا الأمل يدفعني لأكمل حياتي بسلام، ولأكون قادرة على الوقوف بجانب أولادي في هذه الحياة الموحشة.

شاهد على القصة
إبراهيم حسين من (الحزيمة) وهو شاهد على قصة محمود، يقول لشبكة آسو الإخبارية، إنه ذات يوم كان نائما في منزله، وفي تمام الساعة 3:30 صباحا، سمع صوت طرق الباب، وعندما فتح الباب رأى عناصر ملثمة من داعش، يسألون عن إبراهيم. فقال لهم “أنا إبراهيم” فأخذوه مباشرة، فقال لهم “دعوني فقط أرتدي (الجلابية)”، حيث كان يرتدي اللباس الداخلي، فرفضوا رفضا قاطعا، “وجدت نفسي ومحمود الحراك في نفس السيارة، جمعونا أمام البلدية، إذ لم يتسن لنا السؤال عن القصة أو التحرك أو حتى النطق الكلام”. مضيفًا، أنه تم أخذهم بعد التجمع إلى الملعب الأسود بالرقة، حيث كان هناك أجانب وأتراك من بين عناصر داعش. “كان في البداية يتم جمع بيانات كل واحد منا، ومن ثم يتم فرزنا على منفردات التحقيق وبعدها يضعوننا بغرفة يتفاوت عدد الذين فيها بين 40 -50 شخص، وذلك بحسب حالات الاعتقالات والاخلاءات، “بالنسبة لي بقيت في اللباس الداخلي ل 4 أيام، ريثما أعطاني أحد المساجين (جلابية)، وبالطبع كنا نعيش حالة خوف وذعر من أصوات التعذيب التي كنا نسمعها، لأن التعذيب كان في الممرات بين الغرف، حيث صوت المعذبين وصراخهم لكثرة الضرب يدخل أعماقنا”.

“بعد 27 يوم من هذه الحالة المأساوية في الملعب الأسود بالرقة والعذاب والضرب، تم إخلاء سبيلنا جميعا باستثناء محمود، حيث تم اتهامه نتيجة تسجيل صوت له وهو يتحدث عن داعش بما لا يرضيهم”، هذا ما أفاد به إبراهيم حسين.

هذه قصة أخرى تظهر للواقع في زمن داعش، فترى كم قصة موجعة ومؤلمة هناك بعد. وكم حالة ظلم وقمع وفصل الأعناق عن الأجساد مازالت مخبأة حول ما فعله إرهاب داعش بالمدنيين العزل.

الوسوم

مقالات ذات صلة