مدونة آسو

“سميرة النسر”… تولد الحياة من أرحام الموت

من يصدق؟! أن الروح الطاهرة البريئة، التي تنبض لتعيش في هذه الحياة، لا تعلم أنها أحياناً تنشأ من رحم مُظلم أسود قاتم، يمتهن الموت والقتل ويعشق الدماء.

في قصتها المؤلمة تذكر “سميرة النسر” “أم علاء” القابلة القانونية ابنة مدينة الرقة، والتي عايشت فترة سيطرة داعش على المدينة، أحداثاً ووقائع مؤلمة عايشتها كما كل أهالي الرقة. فقد اضطرت السيدة صاحبة الخبرة لأكثر من أربعة عقود في مجال التوليد، وتحت تهديد السلاح، أن تعمل على الإشراف على ولادة زوجات عناصر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في عاصمة الدولة بالرقة، وذلك لشهرتها وسمعتها الطيبة بين نساء الرقة.

في مقابلتها مع شبكة آسو الإخبارية، تذكر “أم علاء” كيف كانت المدينة تنعم بالهدوء والأمان إلى أن جاء “داعش”، زاعماً أنه سيحول الرقة “مدينة الرشيد” مركزاً لخلافة دولته الإسلامية المزعومة.

التهديد بالقتل أجبرني لارتداء النقاب

“أم علاء” تروي لشبكتنا الأحداث التي مرت بها خلال الفترة التي قضتها مع زوجات مقاتلي داعش، وتصفهم بأنهم من صنف غير البشر، يتعاملون بلارحمة ولاإنسانية مع المدنيين الأبرياء العزل، حيث قالت: “وضعتني الحياة أمام خيار صعب، حيث أنني أُجبرت على ارتداء النقاب مع أنني كنت في البداية رافضة هذا الأمر، حتى لو كان سيُكلفني ذلك قطع عنقي على دوار النعيم، وكنت دائماً مصرّة على عدم التعامل مع داعش، لكنني تعرضت للتهديد من قبلهم فاضطررت إلى الرضوخ للأمر الواقع، وذلك خوفاً على حياة أولادي من بطشهم”.

عذاب الولادة “ثواب”

وأضافت قائلةً: “ولّدت الكثير من نساء داعش، وكل واحدة منهنّ كانت من جنسية مختلفة (تونس، جزائر، مغرب..)، عانيت الكثير فلم يكنّ يرغبن بأن يكون إلى جانبهنّ أحد، لا قبل الولادة ولا حتى بعدها، وكنّ على استعداد تام، بأن ينجبنّ لوحدهنّ ويرفضن المساعدة والمعاينة ولا يقبلن الأدوية إطلاقاً، فيقضون ساعات طويلة يتحملن آلام المخاض دون طلب المسكنات، وكان ذلك لسبب ديني، فبحسب اعتقادهم أن النساء ينلن ثواباً مقابل معاناة الولادة.
لكن باعتقادي كل هذا كان نتيجة خوفهنّ وخوف أزواجهنّ، من أن أقوم بتسميمهنّ أو قتلهنّ وقتل الأطفال بالأدوية أو المعالجة، فكانوا لا يثقون بي وبالطاقم الطبي في المشافي، فضلاً عن فرض قيادات داعش رسوماً مادية مقابل خدمات الولادة (الطبيعية والقيصرية)، التي كنا نقدمها والتي كانت سعياً منهم لنيل إيرادات أكبر لدولتهم المزعومة.
هناك الكثير من المواقف واللحظات لا نستطيع أن ننساها مهما كانت مفرحة أو مؤلمة، وعلى حد قول “أم علاء”: ” لحظات ومواقف مررت بها خلال عمليات التوليد والتي بقيت معلقة بذاكرتي وطعمها مر كالعلقم، فحتى هذه اللحظة لم أنسَ وجوه نساء داعش، ولا وجوه الأطفال الأبرياء الذين لا ذنب لهم، في كونهم، أبناء مجرمين يمشون أحراراً في هذه الأرض، ولا أستطيع أن أنسى قسوة مقاتلي داعش ومعاملتهم السيئة”.

رضع بزي عسكري

تستذكر “أم علاء” تلك اللحظات وتسرد قصتها وكأنها أمامها فتقول: “شاركت في ولادة زوجة أحد المقاتلين حيث كانوا من أصول تركية، وبعد انتهاء عملية الولادة حملت الطفل بين ذراعي، وكنت أتأملهُ متحسرة على عمره، الذي سيعيشه بين هؤلاء الوحوش، فجأة تقدم والد الطفل وأخذه من يدي، وكان قد أحضر زياً عسكرياً لإلباس الطفل المولود، ذو الدقائق المعدودة، حاولت أن أمنعه وأشرح له أن هذا الزي مصنوع من قماش خشن ولا يناسب الطفل، لكن عبثاً بعد المحاولات معه، فكان الوالد مصراً على ذلك وبكل فخرٍ كان يقول: “ابني المقاتل سيصبح بطلاً”، أيقنت ذلك الحين أن دماغ مقاتلي داعش، مبرمج بشكل فظيع، ولا مكان للإحساس فيه”.
“الصدمات لا تنتهي، فصدمة تلو الأخرى تحفر في ذاكرتي” هكذا قالت “أم علاء” وهي تتنهد وأكملت: “داعش هذا الكابوس الذي لادين له، فكان باسم الإسلام يرتكب أبشع الجرائم التي تنتهك كل حقوق الإنسانية، فحتى الطفولة لم تسلم من إجرامهم، فقد تفاجأت يوماً بفتيات تتراوح أعمارهنّ بين 13 و 15 عاماً من أصول سورية (بنات بلدي) متزوجات من مقاتلي داعش يتنقلنّ قسرا ًبين أيديهم الملطخة بدماء الأبرياء، في كل مرة كان يدعوني أحد المقاتلين لتوليد إحداهن، كنت أتمنى أن تكون هذه الحالة الأخيرة التي استقبلها، فغير الله لا يعلم ماهي المعاناة التي مرت بها تلك الفتيات”.
“النسر” تروي حكاية المحطة الأخيرة في عملا فتقول:” استدعاني أحد المقاتلين الصوماليين لتوليد زوجته اليمنية التي كانت تعاني من إصابة في الرأس، نتيجة سقوطها من الدراجة التي كان يقودها زوجها مسرعاً، وذلك هرباً من ضربات التحالف الدولي، فطلبت من الزوج أن أعالج الإصابة قبل البدء بعملية التوليد، لكنه رفض وأصرّ على عدم معالجتها إلا بعد الولادة، لكنني بقيت مصرة على عدم إكمال مهمتي حتى القيام بمعالجة إصابتها الخطيرة، التي كانت ستفقدها حياتها”.

الممنوع مسموح لو أراد الداعشي

أما بالنسبة للممنوعات والمسموحات بحسب عقلية داعش أشارت “أم علاء” خلال حديثها على أن كل شيء بالنسبة لداعش هو ممنوع إلا إذا أحبوا ذلك، فكان من المحبب لديهم أن يستخدموا أولادنا كدروع بشرية يحمون أنفسهم من الهجمات ومن قصف الطيران، كما أنه محبب أن يدخلوا أي منزل يريدونه ويقيمون فيه، ناهيك عن حبهم لاستخدام أسلوب الذبح حتى ولو لسببٍ بسيط.
أما نحن، فكان ممنوع علينا الخروج من الرقة لأي سببٍ كان، وكلمة (مرحبا أو أهلين) ممنوعة فهذا تقليد للغرب، ولو طرقت أحد الأبواب، على سكان المنزل أن يقولوا (السلام عليكم)، وبكل تأكيد ممنوع الإجهاض بغية تكثير أبناء الخلافة، بحسب وصفها.

“سميرة النسر” ذات الـ66 عاما، سجينة الماضي تعيش في غرفتها التي تخبئ في كل زاوية منها قصة تخفي الكثير من الأسرار، “أم علاء” أسيرة الوجع العميق تحاكي جدران غرفتها التي تشققت حزناً عليها، تنهي حديثها قائلةً: “كل تلك الذكريات والأيام الصعبة بقيت كصورة ثابتة في مخيلتي فهي قصة خيالية لا يتقبلها عقلنا”، صمتت قليلاً وتابعت روايتها بغصةٍ كبيرة تحمل وجع أم ذاقت العذاب لفترة طويلة حيث قالت: “حلمي وحلم ابني علاء انتهى في ثواني معدودة ، ابني علاء الذي كان يحلم أن يكون طبيباً، قُتل وهو يساعد جرحى الحرب من أبناء بلده، قُتل قبل أن يكمل حلمه، فكل ما مررت به لم يُؤثر بي مثل اللحظة التي فقدت بها علاء، قصتي انتهت ولكن الوجع لم ينتهي، فهو مع الهواء الذي أتنفسه ففي كل لحظة أشعر بألم يقتلني وهو يلازمني حتى اللحظة”.

“سميرة النسر” هي حكاية من آلاف القصص المخبأة في قلوب السوريين وخاصة من أهالي الرقة من عاشوا الألم وذاقوا طعمه.

الوسوم

مقالات ذات صلة