مدونة آسو

أبو عدنان … اليتيم والقهوة المرة

عبير محمد

“محمد قاسم محمد” المعروف بأبو عدنان من مواليد 1935م، أحد سكان مدينة عامودا، يتجول في شوارع المدينة، حاملا دلته وفناجينه، ليسقي بها الناس القهوة المرة، التي امتزج طعمها ببعض تفاصيل حياته.

عدسة شبكة آسو الإخبارية التقت بأبو عدنان بائع القهوة، حيث روى قصته التي تخبئ في جوفها عناوين التضحية والكفاح والصبر والإرادة الصلبة، والقوة لمواجهة مصاعب الحياة.

ففي البداية سألنا العم أبو عدنان عن جذوره وأصله، فرد قائلا: “أنا من أصول قبالاتية، من قرية قبالة في تركية، لجئنا إلى سورية عندما كان عمري 8 سنوات، نتيجة ظروف وأوضاع كانت تشهدها تركيا آنذاك”، وأضاف بالقول: “توفي والداي عندما كنت صغيرا جدا، حتى إنني لا أستطيع أن أتذكر ملامح وجهيهما، بعد ذلك قامت عمتي (مكية) بإحضاري أنا وأخواتي الأربع إلى مدينة عامودا، ومحطتنا الأولى كانت في قرية حمدوني التابعة للمدينة، حيث استقبلنا مختار القرية ورحب بنا، ومنذ ذلك الوقت ونحن في سورية”.

وأكمل حديثه قائلا: “قصتي بدأت عندما وقع على عاتقي مسؤولية رعاية الأسرة وأنا ابن العاشرة من عمري، فعملت في الكثير من المهن كانت بدايتها (الحدادة) لأحصل على لقمة العيش، حتى أصبحت في عمر العشرينيات، في ذاك الوقت أخواتي الأربع تزوجن وبقيت وحيدا، فاخترت أن اتطوع في الجيش، وذلك في عام 1958 عندما اتحدت سورية ومصر وبقيت حتى انفصال الوحدة في عام 1961”.

وتابع العم أبو عدنان: “بعد ذلك جاءني نبأ أن زوج اختي القاطنة في حلب قد توفي، والتي لديها كومة لحم، على حد تعبيره (أي أطفال صغار بحاجة إلى رعاية)، وهنا أيضا وضعتني الحياة أمام اختبار صعب، فأصبح همي الوحيد هو رعاية الأطفال، لذا بقيت في حلب لمدة 10 سنوات، عملت بجانب مقهى البرازيل في شارع بارون المشهور في المدينة، حيث كنت أبيع الذرة (البليلة)، في تلك الفترة استطعت أن أكسب محبة الناس وثقتهم، وبالرغم من أنني لاقيت الكثير من الصعوبات، لكن الحمد لله تمكنت من أن أقدم لقمة عيش كريمة لأختي وابنائها”.

وعند سؤالنا له عن الاهتمام بحياته الشخصية بعيدا عن حمل مسؤولية العائلة، أجاب بالقول: “بعد مرور 10 سنوات، كبر أبناء أختي وأصبحوا قادرين على مراعاة ذاتهم، عندها عدت إلى عامودا وأنا في الثلاثينيات من عمري، لأحصل على وظيفة في البلدية آنذاك وبقيت عدة سنوات أعمل هناك، ثم انتقلت إلى مركز الناحية وعملت بها لمدة 23 سنة، وخلال هذه الفترة تزوجت مرتين، في المرة الأولى لم يرزقنا الله أطفال وتوفيت زوجتي، وفي المرة الثانية التي تزوجت بها أكرمني الله بطفلة وطفل وأصبحا كل حياتي”.

وعن أصعب اللحظات التي مر بها قال العم أبو عدنان: “من المواقف التي جعلتني انكسر، هو إنني تعرضت لحادث كان من الممكن أن يفقدني حياتي، لكن الحمد لله نجيت، إلا أن النتيجة كانت خسارة عملي بسبب وضعي الصحي وبقائي في المشفى لأكثر من 9 شهور، وعلى إثر ذلك أصبحت بلا عمل”.

وأكمل قائلا: “وعند شفائي فكرت كثيرا في عدة أعمال، لكن العمر له حق علي، فقد أصبحت بالخمسينيات من عمري وليست كل الأعمال تناسب صحتي، فخطر ببالي أن أصنع القهوة المرة وأجول بها في شوارع المدينة فكان هذا باب رزقي، وها أنا الآن قد تجاوزت الثمانين من عمري ولا زلت أعمل ببيع القهوة المرة، والحمد لله صحتي جيدة، وسوف استمر بالعمل حتى آخر يوم في حياتي، فأنا لا أستطيع العيش بدون العمل.

وفي نهاية اللقاء أضاف قائلا: “القهوة المرة علمتني أن رغم كل الظروف والمواقف المؤلمة وكل الأحداث التي نمر بها حيث نكون في قمة ضعفنا، لابد أن يأتي يوم ونستلذ بطعم الحياة كما هو طعم القهوة المرة، فرغم مرارتها، يستمتع الناس بمذاقها”.

الوسوم

مقالات ذات صلة